ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

تيودور هرتزل

يعتبر تيودور هرتزل هو الأب الروحي والمؤسس الأول للصهيونية العالمية كحركة سياسية استعمارية أسبغت على اليهود صفة القومية والانتماء العرقي، ونادت بحل ما أسمته المشكلة اليهودية، وعارضت اندماج اليهود في أوطانهم الأصلية، ودفعتهم للهجرة إلي فلسطين زاعمة أن لهم فيها حقوقاً تاريخية ودينية, وتلاقت مطامع الصهيونية من خلال هرتزل بأهداف الاستعمار في إقامة دولة يهودية في فلسطين.

فقد بلور زعيم الصهيونية الأول حركته الشيطانية في دعوة تبناها اليهود في الشتات مفادها أنه يتعين على اليهود أن يشكلوا دولة يهودية خاصة بهم، وأن يهودية هذه الدولة يجب ألا تعتمد على الجوانب الدينية أو الاخلاص لليهودية وفضائلها، وإنما يجب أن تعتمد على الشكل القومي اليهودي.

هيرتزل هو أول من تبنى فكرة تأسيس كيان يهودي في فلسطين وقد كان مثل هذا التبني من قبل هيرتزل نقطة التحول في أهداف الحركة الصهيونية، من مجرد بعث بسيط للثقافة اليهودية إلي إنشاء كيان قومي يضمن لليهود بعضاً من السيطرة السياسية في شؤون حياتهم, وإذا كانت الحركة الصهيونية قد بدأت كعقيدة سياسية إلا انها تطورت من خلال هرتزل إلي تبني تشكيل كيان سياسي، يرقى فيما بعد إلي دولة، في أرض لم يكن غالبية السكان فيها من اليهود.

وقد لقيت هذه الفكرة التفافا رهيباً حولها من قبل الجماعات اليهودية بعد بروز القيادة السياسية الكبرى للصهيونية ممثلة في تيودور هيرتزل.

وكان هيرتزل قد حدد أهداف الحركة الصهيونية آنذاك بأنها "تحقيق ارتباط اليهود في أنحاء العالم وحيثما وجوا بأواصر قومية والتأكيد على أن تصبح فلسطين التاريخية وطنا قوميا لليهود أينما كانوا".

وفي عام 1895 كتب هيرتزل المؤسس الحقيقي للصهيونية الحديثة والذي تحت قيادته تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل سنة 1897 كتابه الشهير الدولة اليهودية.

وفي هذا الكتاب رفض هيرتزل فكرة ذوبان اليهود في ثقافات الدول التي يعيشون فيها، ودعا اليهود إلي ان يوحدوا جهودهم ويبنوا دولة خاصة بهم وقد رأى أن المكان الامثل لتحقيق هذا المشروع هو أرض فلسطين نظرا للروابط الرئيسية لليهود بتلك الارض حسب زعمه.

ومن أجل تحقيق الاستيلاء على فلسطين اقترح هيرتزل تشكيل شركة يهودية تكون مسؤوليتها انتزاع ارض فلسطين وان هدف تشكيل هذه الشركة هو أن تمول شراء الاراضي الفلسطينية وتشرف على زراعة وتنمية تلك الاراضي على ان تقوم الشركة ايضا بإيضاح مزايا الاستراتيجية الصهيونية لقادة الدول الاوروبية للحصول على مباركتهم وتأييدهم لها أما المبالغ اللازمة لدعم المشروع الصهيوني فسوف تأتي من اليهود الأثرياء المندمجين في مجتمعات اخرى والذين لا يرغبون في الهجرة إلي فلسطين.

واقترح هيرتزل أن يكون المهاجرون إلي فلسطين هم من اليهود الفقراء الذين لا شيء لديهم يهابون خسارته من جراء هجرتهم, وان دور هؤلاء المستوطنين الاوائل هو زراعة الارض وخلق مناخ يغري الاخرين من الطبقات الاخرى للاستبطان في فلسطين.

وقد تشكل البرنامج الصهيوني في المؤتمر الصهيوني الذي عقد في بازل في عام 1897، وجاء في البرنامج ما نصه: "ان غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام, أما وسائل تحقيق هذا الهدف فكانت العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والحرفيين والتجار اليهود وفق اسس مناسبة وتنظيم اليهودية العالمية وربطها بواسطة منظمات محلية ودولية تتلاءم مع القوانين المتبعة في كل بلد وتقوية وتغذية الشعور والوعي القومي اليهودي واتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقة الحكومية لتحقيق الاستراتيجية الصهيونية.

ويمكن القول إن الفكرة الصهيونية السياسية المعاصرة التي ظهرت في القرن التاسع عشر قد تبلورت في كتاب هرتزل "الدولة اليهودية" الذي ظهر عام 1896 صحيح أن منظمات "أحباء صهيون" نشأت أساسا في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ودعت إلي الهجرة الي فلسطين الا انها لم تترك أثراً عميقا في حياة جماهير الطوائف اليهودية وكان من الممكن ان يعد الذين لبوا هذه الدعوة بالعشرات فجماهير هذه الطوائف في روسيا القيصرية كان قد انصبت في مواجهة الحركة الثورية الناهضة.

كذلك عالج القضية اليهودية من منطلقات مماثلة لمنطلقات هرتزل اليهودي الروسي مواطن أودويسا لي وبنسكر ووضع استنتاجاته في كتابة "التحرر الذاتي" الا ان دعواته لإقامة دولة يهودية لا في فلسطين بالضرورة إذ استبعدها واعيا – لم تجد إطارا تنظيميا وكان يجهلها هرتزل واولئك الذين أقاموا المنظمة الصهيونية فيما بعد.

ولهذا اقترنت الحركة الصهيونية بهرتزل لأنه قرن أيديولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بازل من أعمال سويسرا في عام 1897.

وقد عقد هرتزل هذا المؤتمر في الفترة ما بين 29-31 اغسطس عام 1897 في مدينة بازل السويسرية تحت إشرافه وبتنظيمه مكتسبا زخما من جماهيريته في أوساط اليهود كمنظر ومفكر وكاتب يرفع شعار "العودة إلي صهيون" وصهيون كما هو معروف جبل في مدينة القدس الفلسطينية.

وقد حضر المؤتمر 204 مندوب يهودي 117 منهم مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة وسبعون جاؤوا من روسيا وحدها كما حضره مندوبون من الأمريكيتين الشمالية والجنوبية والدول الاسكندنافية وبعض الاقطار العربية وبالأخص الجزائر كان مقررا عقد المؤتمر في مدينة ميونخ الالمانية الا ان الجالية اليهودية هناك عارضت ذلك لأسباب خاصة بها الامر الذي استوجب نقله الي مدينة بازل السويسرية.

افتتح هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول بخطاب مقتضب أكد فيه أن الهدف من المؤتمر هو "وضع الحجر الأساسي للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل", وأعلن فيه "أن الصهيونية هي عودة إلي اليهودية قبل العودة إلي بالد اليهود", وحدد هرتزل في خطابه مضمون المؤتمر على أنه "الجمعية القومية اليهودية".

وبعد إلقاء هرتزل خطابه وكذلك استعراض ما قدمه هو مساعدوه من أوراق عمل أقر المؤتمر أهداف الصهيونية المعروفة منذ ذلك الوقت باسم "برنامج بازل" الذي حسم موقف الصهاينة من موقع دولتهم المزمع انشاؤها.

وبرغم اقتصار أبحاث المؤتمر على المناقشات والمداولات وعدم قطع التزام واضح من قبل هيرتزل بقيام هذه الدولة "الوطن" في فلسطين بالتحديد، إلا أن المؤتمر مثل بداية حقيقية لمشروع الدولة الصهيونية في ظل توفر العديد من الخيارات والأوطان بينها الأرجنتين وأوغندا ومع ذللك فقد شكل المؤتمر الانطلاقة الاولى باتجاه فلسطين، خاصة وأن هرتزل كان قد فكر في مثل هذا قبل عام من انعقاد المؤتمر كما ظهر جليا في كتابه "الدولة اليهودية".

المهتمون بالشأنين اليهودي والصهيوني اعتبروا في حينه أن المؤتمر الصهيوني الأول شكل نقطة تحول مهمة في تاريخ الحركة الصهيونية بعدما استطاع مؤسسوها جمع معظم صهاينة العالم تحت سقف واحد ضمن إطار المنظمة الصهيونية العالمية التي تولت فيما بعد الإشراف على الأجهزة الصهيونية في العالم.

وكانت إقامة المنظمة الصهيونية العالمية فاتحة عهد جديد من النشاط الصهيوني استهدف تحقيق متطلبات الحركة وفق ما ورد في "الموسوعة الفلسطينية"، وقد تفرغ عن المؤتمر لجنة تنفيذية تكونت من 15 عضواً كانت بمثابة مجلس شورى وأخرى صغرى تكونت من خمسة أعضاء بمثابة حكومة.

وتم تأسيس مكتبة مالية لجمع الاشتراكات الصهيونية الاستعمارية برأسمال بلغ مليوني جنيه إسترليني ووضع المؤتمر برنامجاً سارت عليه جميع المؤتمرات التي عقدت بعد ذلك، كما ناقش تقارير مفصلة حول أوضاع الجاليات اليهودية في العالم ومحاضر أخرى مفصلة عن فلسطين والنشاط الاستيطاني فيها ونصب المؤتمر تيودور هيرتزل رئيساً له ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية.

بعد المؤتمر اندفع الصهاينة يتقدمهم هيرتزل لتنفيذ برنامجهم أو مخططهم المجرم, وكان هيرتزل منذ بداية نشاطه قد اكتشف حقيقة أنه لا بد لتنفيذ المخططات الصهيونية من الاعتماد على دولة إمبريالية كبيرة، تقوم بتوفير الأرض للمستوطنين وحمايتهم من السكان الأصليين والدفاع عنهم في المحافل الدولية لذا توجه هيرتزل إلي جميع الدول الكبرى ذات المصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط، ابتداءً بالدولة العثمانية ومرورا بفرنسا وألمانيا وانتهاء بإنجلترا.

وأرسل هرتزل رسالة إلى السلطان عبد الحميد الثاني يعرض عليه قرضاً من اليهود يبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني، مقابل تشجيع الهجرة اليهودية إلي فلسطين، ومنح اليهود قطعة أرض يقيمون عليها حكماً ذاتياً وفيما يلي نص الرسالة:

"ترغب جماعتنا في عرض قرض متدرج من عشرين مليون جنيه إسترليني يقوم على الضريبة التي يدفعها اليهود المستعمرون في فلسطين إلى جلالته، تبلغ هذه الضريبة التي تضمنها جماعتنا مائة ألف جنية إسترليني في السنة الأولى وتزداد إلى مليون جنيه إسترليني سنوياً.

ويتعلق هذا النمو التدريجي في الضريبة بهجرة اليهود التدريجية إلى فلسطين أما سير العمل فيتم وضعه في اجتماعات شخصية تعقد في القسطنطينية.

مقابل ذلك يهب جلالته الامتيازات التالية:

الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي لا نريدها غير محدودة فقط، بل تشجعها الحكومة السلطانية بكل وسيلة ممكنة وتعطي المهاجرين اليهود الاستقلال الذاتي، المضمون في القانون الدولي، في الدستور والحكومة وإدارة العدل في الأرض التي تقرر لهم (دولة شبه مستقلة في فلسطين).

ويجب أن يقرر في مفاوضات القسطنطينية، الشكل المفصل الذي ستمارس به حماية السلطات في فلسطين اليهودية وكيف سيحفظ اليهود أنفسهم النظام والقانون بواسطة قوات الأمن الخاصة بهم.

قد يأخذ الاتفاق الشكل التالي:

يصدر جلالته دعوة كريمة إلى اليهود للعودة إلى أرض آبائهم سيكون لهذه الدعوة قوة القانون وتبلغ الدول بها مسبقاً.

وقد رفض السلطان عبد الحميد مطالب هرتزل ومما ورد عنه في ذلك قوله: "إذ أن الإمبراطورية التركية ليست ملكا لي وإنما هي ملك للشعب التركي فليس لي أن أهب أي جزء فيها فليحتفظ اليهود بملايينهم في جيوبهم فإذا قسمت الإمبراطورية يوما ما فقد يحصلون على فلسطين دون مقابل ولكن التقسيم لن يتم إلا على أجسادنا".

وفي ذلك العام أيضاً حض تيودور هيرتزل الحكومة البريطانية وبشكل خاص وزير المستعمرات جوزيف تشمبرلين على تأييد الاستيطان اليهودي في فلسطين وخلال عامي 1915 و 1916 ضغط القادة الصهاينة وبخاصة حاييم وايزمان على الحكومة البريطانية للتصديق على فكرة قيام وطن يهودي في فلسطين.

وعلى الرغم من أن هيرتزل قد رأى أن فلسطين هي المكان المثالي لإنشاء الدولة اليهودية بالنسبة للصهاينة، إلا أنه في البرنامج الصهيوني لم يستثني إمكانية قيام الكيان اليهودي في الأرجنتين أو أوغندا أو قبرص أو سيناء وبصفها أماكن محتملة لتحقيق هذا المشروع والحقيقة أن هذه السألة لم تحسم من قبل الصهيونية إلا بعد وفاة هيرتزل، حيث اعتبر الصهاينة فلسطين المكان الوحيد المناسب لقيام الدولة اليهودية وقد بين ناحوم جولدمان الهدف الحقيقي لاختيار فلسطين بقوله: "لان فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ولأن فلسطين تشكل بالواقع نقطة الارتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنها المركز الاستراتيجي للسيطرة على العالم".

وحين تبنت الصهيونية ادعاءاتها في فلسطين، كانت تحكم من قبل الدولة العثمانية التي كانت ترفض بشكل قطعي قيام دولة يهودية على أرض فلسطين، ولذلك لم يكن ممكنًا أن يوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ قبل عام 1917، في نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما هزمت بريطانيا وحلفاؤها الدولة العثمانية وهيمنت على فلسطين، عندها فقط تمكنت الحركة الصهيونية بعد ذلك من أن تندفع بفعالية باتجاه ادعاءاتها في الأرض المقدسة، وتنال دعم القوى الكبرى في محاولاتها لاغتصاب أرض فلسطين.

ولد تيودور هرتزل عام 1860 لأب تاجر ثري, وكان يحمل ثلاثة أسماء، أهمها اسمه الألماني "تيودور"، وثانيها اسمه العبري "بنيامين زئيف"، وثالثها اسمه المجري "تيفا دارا".

التحق تيودور الصغير بمدرسة يهودية وعمره ست سنوات لمدة أربعة أعوام، انقطعت بعـدها علاقته بالتعليم اليهودي ولذا، لم يُقدَّر له أن يَدرُس العبرية، بل لم يكن يعرف الأبجدية نفسها.

التحق تيودور بعد ذلك بمدرسة ثانوية فنية، ومنها التحق بالكلية الإنجيلية 1876 وعمره 15 سنة أي أنه التحق بمدرسة مسيحية بروتستانتية، ولعله تَلقَّى تعليماً دينياً مسيحياً هناك وأنهى دراسته عام 1878.

وكانت أسرة هرتزل مجرية النسب إلا أنها، ضمن مجموعة من اليهود، قاومت عملية صبغها بالصبغة المجرية، واحتفظت بولائها لألمانيا مثل كثير من يهود المجر: ماكس نوردو وجورج لوكاش وغيرهما ولذلك، نزحت الأسرة إلى فيينا عام 1878 وكان عدد اليهود في فيينا آنذاك لا يزيد على عشرة آلاف يهودي، ولكن تَعثُّر التحديث في شرق أوروبا أدَّى إلى دَفْع جحافل اليهود إلى وسط وغرب أوروبا بحيث بلغ عددهم عام 1899 ما يزيد على 100 ألف، أي أنهم زادوا عشرة أضعاف خلال أقل من عشرة أعوام.

التحق هرتزل بجامعة فيينا وحصل على دكتوراه في القانون الروماني عام 1884 وقد زاول هرتزل مهنة المحاماة وعمل بالمحاماة، وكانت في عصره من أرقى الوظائف والمهن، ولكن هرتزل الطموح ظل يسعى للوصول إلى منصب قاض، ولكنه فشل في ذلك !

وترك هرتزل عمل المحاماة، وتوجه للبحث عن ذاته ومواهبه، التي كان يجدها في مجال الفن والكتابة المسرحية، فعمل صحفياً ومراسلاً للصفحة الأدبية في صحيفة "فيينا نيو فري بريسيه" في باريس بين عامي 1891 حتى 1895.

وقد نشر مقاله الأول في هذه الصحيفة بتاريخ 27 مايو 1891 وظل يعمل مراسلاً لهذه الجريدة حتى عام 1895، والتي كتب ونشر خلالها مئات المقالات والقصص القصيرة وعشرات المسرحيات.

ولما كانت هذه الجريدة النمساوية الأولى في صحافة العصر والصادرة باللغة الألمانية فقد اكتسب هرتزل شهرة خاصة عن طريقها، كما ازدادت شهرته بانتقاله إلى باريس العاصمة الفرنسية، وعاصمة الثقافة الأوروبية والعالم الغربي، ومركز التيارات الحضارية والتطورات السياسية المستجدة.

وهناك تكون الوعي السياسي لهرتزل، وتنوعت معارفه وعلاقاته في أوساط المشاهير والسياسيين، وخلال هذه الفترة وبتاريخ 8 نوفمبر 1895 ألف هرتزل العاشق للمسرح مسرحية "الجيتو الجديدة"، والتي كانت تتحدث عن الأوضاع الاجتماعية للطبقة اليهودية العليا في فيينا بصفة خاصة، وعن حالة الجماعات اليهودية التي تعيش بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها بشكل عام، وذلك لما ينفرد به اليهود دون عن سائر الأمم الأخرى من عقيدة متوارثة تفرض عليهم حالة الانغلاق، والعيش بمعزل عن باقي البشر كما في "الجيتو"، الذي يصفه العديد من المفكرين بمثابة أحد مظاهر عنصرية اليهود واحتقارهم للشعوب والأقوام الأخرى، وليس كما يحاول اليهود والصهاينة أن يجعلوه مظهراً من مظاهر الظلم والقهر الواقع عليهم من الآخرين فليس لأي شعب أو جماعة أي ذنب تجاه اعتبار اليهود أنفسهم شعب الله المختار والتي انعكست واقعاً تجده واضحاً في شخصية اليهودي وبالتالي في شخصية تيودور هرتزل.

وتعتبر شخصية هرتزل مثيرة للجدل فهو الشخص الذي تربى تربية خاصة وشكل تعليمه العلماني ركناً أساسياً في ثـقافته وتوجهاته الفلسفية، حتى على مستوى فهمه للمسألة اليهودية التي اعتقد في وقت من الأوقات أن حلها يجب أن يأتي من خلال اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون بها بل وعليهم أيضاً التخلي عن يهوديتهم، بعد التحرر الكبير الذي شهدته في الولايات الألمانية، شهد نظام الجيتو في أوروبا بدايات انفتاح اليهود، والتخلي عن الانغلاق في الـ "جيتو" تلك البدايات التي شجعها هرتزل ورأى فيها حلاً حقيقياً للمسألة اليهودية، ولكنه سرعان ما تراجع عنها وتحول للنقيض تماماً.

فقد راح يشجع اليهود على عدم الاندماج وأنه لابد لهم من البحث عن مكان يجتمع فيه اليهود كبقية شعوب العالم فيكون لهم الحق في إقامة دولتهم الخاصة بهم أسوةً ببقية شعوب العالم المسألة التي اعتبرت حجر الأساس للفكر الصهيوني الذي ابتدعه هرتزل الذي يقول إن تحوله هذا كان لأسباب عديدة لعل أبرزها قضية درايفوس التي تابعها هرتزل شخصياً، بصفته صحفياً، كان يغطي جلسات المحكمة، وقام بنشر هذه القصة بعد عامين من وقوعها عام 1894.

وملخص هذه القصة أن عاملة نظافة تعمل في السفارة الألمانية في باريس قامت بتسليم محتويات سلة مهملات إلى نائب مدير المكتب الفرنسي لمكافحة التجسس واكتشف الأخير أنها احتوت على خمس وثائق كان رجل مجهول يرغب في بيعها للسفارة الألمانية، وعند مقارنة الخطوط ثارت الشكوك بين أربعة أو خمسة ضباط، ثم تمت المقارنة بين الخطوط فوجد أن خط أحدهم وهو الكابتن اليهودي "ألفريد دريفوس" يماثل خط الوثيقة، وبناء عليه تم القبض على دريفوس، وتجريده من رتبته العسكرية وسجنه مدى الحياة.

ثم في عام 1896 سلمت سلة أخرى للمخابرات الفرنسية تحتوي وثائق مماثلة لتلك التي ادُين بسببها درايفوس تدين متهماً آخر غيره، فسلمت الدولة الفرنسية التحقيق إلى نفس الضابط (نائب مدير المكتب الفرنسي الميجور هنري) الذي بدأ يدافع عن خطته ويزيف الأدلة ضد درايفوس فانتقلت القضية للصحف وانقسم المجتمع الفرنسي الذي لم يكن مهتماً بالموضوع في البداية إلى تيارين.

وفي عام 1898 ثبتت براءة درايفوس من التهمة لكن الجيش رفض الاعتراف بالحكم فأصدرت محكمة عسكرية ثانية حكماً على درايفوس بالسجن لعشرة أعوام ثم صدر بحقه عفو فأفرج عنه.

كان أهم ما أثر في نفس هرتزل في هذه القضية هو ما حدث أثناء انعقاد الجلسات العلنية لمحاكمة درايفوس، والتي استحوذت كما قلنا على الرأي العام الفرنسي حيث كان جمهور كبير يتابع هذه الجلسات بالحضور ومن خلال الصحف وكان هرتزل مهتماً بهذه القضية بصفته مراسلاً صحفياً مكلفاً بنقل ما يحصل فيها إلا أنه فوجئ بالكراهية والحقد الذي كان يعبر عنه الجمهور ضد درايفوس ومنه لكافة اليهود.

حيث كان هرتزل يستمع في هذه الجلسات للشتائم القاسية والهتافات الصاخبة التي كان يرددها الجمهور في كافة الجلسات، والمحاكم ضد اليهود عموماً ومنها (الموت لليهود, يهود جبناء,  يهودي قذر, يهودي خائن).

المسألة التي أزعجت هرتزل بشكل كبيراً جداً وفي الخامس من كانون الثاني 1895 وحينما أصدرت المحكمة قرارها بالسجن المؤبد ضد درايفوس الذي خرج من المحكمة في الطريق إلى السجن وبينما كان يمر من أمام الصحفيين كان بينهم هرتزل صرخ بأعلى صوته قائلاً عليكم أن تقولوا لفرنسا كلها أنني برئ ومظلوم, وفي الوقت نفسه كانت هتافات السخرية تتصاعد بين الجماهير وشتائمهم تقال لدرايفوس واليهود عموماً.

جدير بالذكر بأن محاكمة درايفوس قد أعُيدت مرتين حتى صدرت براءته نهائياً في العام 1906 وأعيد بعدها للخدمة في الجيش الفرنسي وتمت ترقيته إلى رتبة رائد ثم تدرج فأصبح من كبار الضباط الفرنسين وشارك في الحرب العالمية الأولى وقد التقى مع هرتزل الذي يَعتبر قضية درايفوس أهم منعطف تاريخي في حياته إذ أنها فتحت عيون هرتزل على حقائق لم يكن يدركها من قبل.

إذ أنه كان مؤمناً بالاندماج وأن حل المسألة اليهودية لن تأتي إلا عن طريق اعتناق اليهود للمسيحية وقد صاغ فكرته هذه بطريقة أقرب للفن والمسرح منها إلى أي مجال آخر إذ تصور هرتزل أن يتم ذلك من خلال مسير جماعي لليهود في ساحة الفاتيكان وأمام البابا وقد خطط هرتزل لهذه المسألة حتى أدق تفاصيلها حتى بانت وكأنها مسرحية متكاملة لدرجة أن حاييم وايزمن أحد زعماء الصهيونية قد إعتبر هرتزل صاحب ميول كنسية.

المهم أن هرتزل الذي يعتبر حادثة درايفوس كانت بمثابة نقطة التحول إذ شعر من خلالها بالعداء للسامية الذي لن يسمح لليهود بالاندماج في المجتمعات الأوروبية وبالتالي لا بد من البحث عن حل للمسألة اليهودية.

وقد وجد هرتزل أن هذا الحل يتمثل في إقامة دولة خاصة باليهود عبر عنها في كتيب (الدولة اليهودية) الذي أصدره في العام 1895 أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول بعامين والذي أصبح فيما بعد بمثابة الدليل للحركة الصهيونية أو كما يصفه البعض بالتوراة الثانية، وأن هرتزل بمثابة النبي بالنسبة لليهود.

 

 

ويصف هرتزل في مذكراته اليومية التي كتبها عن حياته الشخصية أنه حينما كتب كتاب الدولة اليهودية كان يكتب بشكل دائم وبدون توقف فيصف نفسه قائلا كنت أكتب يومياً وأنا واقف وأنا نائم وأنا جالس وأنا أسير في الطريق والقطار أينما ذهبت أو توقفت كنت أكتب حتى انتهت من كتابته ثم عرضه على أحد أصدقائه الذي عرضه على صديق آخر وهو الدكتور(نورداو) ليسمع رأيه وكان يعتقد بأنه سيتهمه بالجنون إلا أن صديقه نورداو آمن بما كتب هرتزل وشجعه على ذلك وقال له اعتبرني من الآن حليفك وداعما لك في هذا المشروع وفي مطلع العام 1896 نشر هرتزل كتابه هذا والذي كانت فكرته الاساسية قائمة على أساس منح اليهود قطعة من الأرض تكفي ليقيم عليها اليهود دولتهم ويتكلف اليهود بالباقي وتكمن أهمية  الكتاب فيما يلي:

إن الكتاب حول المسألة اليهودية من مسألة خاصة إلي قضية سياسية اهتمت بها دول العالم.

حول الكتاب قضية اليهود من جماعات منعزلة ومنطوية إلي قضية شعب كامل.

اعتبر الكتاب بمثابة دليل عملي للحركة الصهيونية التي تمكنت من تنفيذ المشروع بعد موت هرتزل بسنوات.

سخر هرتزل المرحلة الأخيرة من حياته في خدمة اليهود وفرض نفسه زعيما لهم، وقد حقق لذاته شهرة كبيرة استمرت حتى بعد موته، ولكن هرتزل نفسه يعتقد أنه قد فشل في تحقيق طموحه فكتب عن نفسه في مذكراته يقول "يحدث أحياناً للرجل الفذ أن يوزع نشاطه على عدة حقول، وإذ به لا يجد نفسه مشهوراً إلا في الحقل الذي لا يتلاءم مع أعماق شخصيته, على سبيل المثال فأنا أجد نفسي في الحقل الذي لم أنجز فيه شيئاً على الصعيد الفكري فما قمت به كان مجرد مهارة سياسية عادية وقد دانت لي الشهرة العالمية في المسألة اليهودية وكأنني مروج دعائي, وأنا ككاتب وتحديداً ككاتب مسرحي لا شيء وأقل من لا شيء، فالناس يقولون عني فقط إنني صحفي جيد ومع ذلك فأنا أشعر وأعرف أنني كنت كاتباً ذا قدرة كبيرة إلا أن هذا الكاتب لم يستنفذ قدراته، لأنه لم يلق تشجيعاً ولأنه شعر بالاشمئزاز.

إلا أن قول هرتزل هذا يجافي الحقيقة حسب آراء النقاد الذين يصنفون آثاره الأدبية في خانة الأدب العادي، كما ويعتقدون أن التواضع الذي يظهره هرتزل لما قام به وأنجزه في مجال السياسة هي مسألة مفاجئة وتتعارض كذلك مع ما يقوله هرتزل نفسه في مذكراته عن قدراته وملكاته الخاصة التي تضج بالغرور والأنا  والمبالغ به بالذات ولعل كتابه "الدولة اليهودية" يشهد على ذلك.

وفي عام 1889، تزوج هرتزل من جولي نتشاور وكانت من أسرة ثرية، وكان هرتزل يأمل أن يحل من خلالها بعض مشاكله المالية ولكن الزواج لم يكن موفقاً بسبب ارتباط هرتزل الشديد بأمه التي غذت أحلامه، فقد قامت نشأته على تصوُّر من ينتدب نفسه لتحقيق عظائم الأمور، ويحلم بأنه صاحب رسالة في الحياة.

ومما عقد الأمور عدم حماس الزوجة للتطلعات الصهيونية لدى زوجها ولعل مشاكل هرتزل الجنسية لعبت دوراً في ذلك، إذ يبدو أنه أصيب بمرض سري فتنقل في عدة مصحات للاستشفاء من هذا المرض.

لم يتعلم تيودور هرتزل العبرية في حياته ولم يزر فلسطين، ولكنه مع ذلك المؤسس الحقيقي لدولة اليهود في فلسطين . ويشبه موقعه في الفكر الصهيوني والعمل السياسي والعسكري لإقامة دولة إسرائيل موقع ماركس في الشيوعية ، فهو الذي نظم المؤتمر الصهيوني الشهير في بازل بسويسرا عام 1897، ورأس المنظمة الصهيونية العالمية التي انبثقت عن المؤتمر حتى وفاته عام 1904.

عمل هرتزل مراسلا لصحيفة "فيينا ني وفري بريسيه" في باريس بين عامي 1891 و 1895 حيث كتب عن ضرورة وجود دولة عصرية يهودية كحل لمشكلة اليهود في العالم، وأصدر في ذلك كتابه الشهير "دولة اليهود محاولة لحل عصري للمسألة اليهودي" وخلاصة الكتاب أنه طالما بقي اليهود في أوروبا الرأسمالية فإنهم سيتعرضون للاضطهاد المستمر بسبب منافستهم الاقتصادية لأوروبا، والحل الأمثل كما يتصور هرتزل هو إقامة دولة لهم في فلسطين.

ومات هيرتزل سنة 1904 في بلدة أولاخ بالمجر، ونقلت رفاته إلى فلسطين سنة 1949 وكانت العقبة الأولي أمام اليهود بعد وفاة "هرتزل" تدور حول اختيار خليفة له وكان هناك الصهاينة الروس (العمليون) بزعامة "مناحيم أوسشكين" أقوى المعارضين لدبلوماسية هيرتزل العلنية والسرية، وكانوا يرون أفضلية التوجه نحو السياسة العملية وعدم إضاعة الوقت في مفاوضات قبل الأوان.

وكان في المقابل الصهاينة الغربيون ويرون أن القيادة يجب أن تكون في يدهم لقدرتهم في إنضاج العلاقة مع الغرب وكان من الطبيعي أن يرث في المؤتمر السابع الزعامة "ماكس نوردو" وهو الوارث الطبيعي لهرتزل، غير أن نوردو هو الذي تخلى عن الرئاسة.

وتمت التسوية بين أنصار الصهيونية السياسية وأنصار الصهيونية العملية بأن جاءت القيادة من ستة أعضاء نصفهما من "السياسيين" ونصفهما من "العمليين" برئاسة "وولفسون"، وكان "وولفسون" من أنصار هرتزل وكان يعمل جاهداً لتقليده وكان هرتزل مثله الأعلى، إلا أنه كان يفتقر إلى شخصية هرتزل وإلي قدراته التنظيمية.

ولم يترك هيرتزل، بعد وفاته، الكثيرين من المعجبين به، أو حزباً ملتزماً بخطه السياسي ومتأثراً بآرائه، ولم تحرز الصهيونية خلال عهده أي إنجاز سياسي عملي، غير أن المؤسسات الصهيونية، التي كان ظهوره العامل الأول في إقامتها من جهة، ثم تبلورت نظريات وسياسات صهيونية أخرى، سرعان ما أفرزت تنظيمات مستقلة تلتف حولها من جهة أخرى، خلقت أوضاعاً جديدة، وفجرت طاقات صهيونية، لاشك أنها لم تخطر على بال هيرتزل عندما أعلن عن افتتاح مشروعه الصهيوني، وقد نمت تلك المؤسسات، وتطورت وتشعبت ولعبت أدواراً مهمة، بشكل يصعب معه تصور قيام أي نشاط صهيوني بعد وفاة هيرتزل، أو استمراره دون وجود تلك المؤسسات، بصيغتها المختلفة.

وقد اختفى أيضاً نسل هرتزل نهائياً، فكبرى بناته بولين (1890 ـ 1930) كانت مختلة عقلياً وطُلِّقت من زوجها وأصبحت صائدة للرجال ومدمنة للمخدرات أما أخوها هانز (1891 -1930) الذي لم يختن طيلة حياته، مخالفة للتعاليم اليهودية، فقد أصيب بخلل نفسي واكتئاب شديد ثم تَحوَّل إلى المسيحية وانتحر يوم وفاة أخته, أما الابنة الصغرى فقد ترددت على كثير من المصحات حتى ماتت عام 1936.

وقد نشأ ابنها ـ وحفيد هرتزل الوحيد ـ في إنجلترا حيث غيَّر اسمه من نيومان (اسم ذو نكهة يهودية) إلى نورمان (اسم ذو نكهة أنجلو ساكسـونية)، وكان يعـمل ضابطاً في الجيش الإنجليزي وبعد أن ترك الخدمة عُيِّن مستشاراً اقتصادياً للبعثة البريطانية في واشنطن حيث انتحر بأن ألقى بنفسه من أعلى كوبري في النهر.

وأخيراً يمكن القول إنه على الرغم من أن هرتزل قد أسس وتزعم الحركة الصهيونية صاحبة مشروع ومؤسسة دولة إسرائيل، التي تعتبر أهم ما حققته الصهيونية منذ تأسيسها، رغم ذلك إلا أن هذا الأمر ما كان له ليحدث لولا توفر عوامل خارجية ليس لليهود أو لهرتزل علاقة مباشرة بها وهي الظروف الدولية التي استغلها اليهود وفي مقدمتهم هرتزل نفسه، الذي لولاه فعلاً لما كانت الصهيونية.

ولكن في المقابل لولا توفر الظروف الدولية التي عاصرها هرتزل لم تكن حقيقية لا من إنشاء الحركة الصهيونية ولا من إقامة دولة إسرائيل التي دعا لقيامها في كتابه "الدولة اليهودية".

ولكن هذا لا يسقط بالمطلق صفة الزعامة عن هرتزل، الذي لا زال أتباعه وغالبية اليهود ينظرون له باحترام شديد، ويرجعون له الفضل في قيام دولة اليهود على أرض فلسطين.

ولعل قيام النمسا باحتفال سنوي في ذكرى يوم وفاة هرتزل وقيامها مؤخراً بتسمية ميدان آخر بإسمه هو إقرار آخر من غير اليهود بعبقرية وزعامة هذا الرجل الذي ترك بصمة في التاريخ ستخلده وبدون شك ما دام هذا التاريخ يكتب بأقلام صهيونية.

ولكن ما إن يتحرر التاريخ والفكر الإنساني من سطوة الصهيونية سيجد هرتزل وأتباعه مكانهم الطبيعي بين هؤلاء الذين ارتكبوا الجرائم بحق البشرية.