ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

محاولات للكشف عن "الوثائق الحقيقية" لمذبحة دير ياسين في الأرشيف الإسرائيلي

بعد ستين عاما من مذبحة دير ياسين في 9 نيسان 1948 بدأت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية حملة تواقيع لإجبار المحكمة الإسرائيلية العليا كي تكشف عن الوثائق الحقيقية للمذبحة حيث ظلت الرواية الإسرائيلية تصر ولعقود على ان الفلسطينيين قتلوا في مواجهات مع العصابات اليهودية في حينه.

ومنذ المذبحة تحول مكان القرية المدمرة إلى مصحة للأمراض العقلية تعالج فيما مرضى فقدان الذاكرة وعلى نفس المكان الذي حاولت فيه إسرائيل محوه من ذاكرتها الجمعية. وفي المقابل تظل مذبحة دير ياسين محفورة في الذاكرة الفلسطينية لأنها ترمز إلى تشردهم والى فظاعة ما ارتكبته العصابات الصهيونية ضد قرية كانت تعيش هادئة قرب مدينة القدس. وعلى الرغم من الأبحاث والدراسات واليوم المخصص لذكرى يوم المذبحة إلا أن تاريخ القرية لا يزال محل نزاع بين روايتين فيما ترفض فيه الحكومة الإسرائيلية السماح للباحثين الاطلاع على وثائق الأرشيف الصهيوني. ولهذا ينظر إلى محاولة الصحيفة الإسرائيلية المعروفة بميولها الليبرالية على أنها جهد لنزع الستار عن تعتيم الدولة على المذبحة.

وفي الجانب الفلسطيني كتبت شهادات الناجين من المذبحة حيث تحدث معظمهم البالغ عددهم 400 عن مذبحة بالمعنى الكامل.

وكانت طالبة فنون إسرائيلية اسمها نيتا وشوشاني قد تقدمت العام 2006 بطلب للاطلاع على ملفات دير ياسين كجزء من مشروع للجامعة وعلى أرضية إن الحظر المفروض على الملفات لخمسين عاما قد انتهى. وتم إصدار إذن محدود لها ولكن قيل لها ان المواد الحساسة تم تمديد الحظر عليها.

وعندما تقدم محام بطلب توضيح عن سبب تمديد الحظر تبين أن لجنة وزارية أصدرت امرأ بتمديده بعد عام من طلب وشوشاني الأول للاطلاع على المواد ما يسمح بتحدي القرار عبر القضاء خاصة ان الحظر الحالي تنتهي مدته في العام 2012.

وتدافع الدولة عن قرار استمرار الحظر بأنه لحماية صورة الدولة في الخارج، وتقول ان نشر الملفات سيؤدي إلى إشعال التوتر العربي ــ الإسرائيلي، فيما ترى وشوشاني ومعها "هآرتس" إن من حق الرأي العام معرفة ما حدث ومواجهة الماضي. وسيقرر قضاة قريبا ما يمكن نشره وما لا يمكن نشره من ملفات دير ياسين.

وحسب صحيفة "اندبن دنت" التي نشرت تقريرا عن القصة في عددها أمس، فمن بين الوثائق الحساسة التي تملكها الدولة تقرير كتبه الضابط اليهودي مائير باعيل الذي شجب فيه تصرفات المقاتلين اليهود، ووصفهم بالمتعطشين للدم وارتكاب أعمال مخجلة، والاهم من ذلك الصور التي لا تزال موجودة وتمثل أدلة إدانة للدولة. وحسب البروفسور دانيال ماغوان من جمعية ذكرى دير ياسين فالصور تؤكد بوضوح حصول مذبحة.

وتظهر الصور فلاحي القرية وقد أمروا بالاصطفاف إلى جانب جدار محجر حيث تم قتلهم جميعا. ونقلت عنه قوله إن العديد من الإسرائيليين يتعاملون مع مذبحة دير ياسين بنوع من الصمت فهم "لم يعودوا ينكرون حدوثها ولكنهم يتجنبوا الحديث عنها". ويظل قرار كسر الصمت بيد المحكمة الإسرائيلية وتنقل هنا عن وشوشاني قولها: كانت مذبحة دير ياسين حادثا مهما في تاريخنا وكانت أول قرية نحتلها ولهذا فهي تحمل معنى كبيرا للحرب التي حدثت بعدها. وتقول انه يجب على الإسرائيليين التعامل مع الماضي من اجل الإسرائيليين أنفسهم.

وبدأت قصة دير ياسين بعد صدور قرار التقسيم من الأمم المتحدة العام 1947 والذي يقسم فلسطين بين العرب واليهود وتدويل القدس وهو القرار الذي رفضه العرب، ما أدى إلى اندلاع الحرب حيث حاولت العصابات الصهيونية تعزيز وتوسيع مناطق سيطرتها، ولأن دير ياسين كانت في موقع استراتيجي حاولت "الهاغاناه" احتلال القرى الفلسطينية الواقعة على الطريق الرئيسي للقدس وفي الوقت نفسه قامت عصابتا "أرغون" و"شترن" بعمليات منفصلة لاحتلال دير ياسين على الرغم من توقيع سكان القرية اتفاقا مع التجمعات اليهودية بعدم الاعتداء إلا أن هذه العصابات قامت في التاسع من نيسان 1948 بالهجوم على القرية وتشريد أهلها وقتل غالبهم. وكان مناحيم بيغن، احد قادة "الأرغون" ورئيس الوزراء السابق قد تحدث في كتابه "الثورة" عن استخدام اليهود العنف واستخدام مكبر صوت لتحذير الأهالي ودعوتهم لمغادرة القرية.

ويقول بيغن، أن رجاله "اجبروا على القتال من بيت لبيت واستخدموا القنابل اليدوية، وأصيب المدنيون الذين لم يستمعوا إلى تحذيراتنا بأضرار بالغة، أنا واثق من أن جنودنا كانوا لا يريدون وقوع أية ضحية غير ضرورية". لكن رواية بيغن تنقضها رواية ناج من القرية وهو عبد القادر زيداني الذي كان يبلغ من العمر "22 عاما" في وقت المذبحة وانضم إلى المدافعين عن القرية ويقول: لقد ذهبوا من بيت إلى بيت وأطلقوا النار على الأهالي وقتلوا كل من كان في طريقهم من الأطفال والنساء.

ونقلت عنه الصحيفة وهو يبلغ عمر 84 عاما ويعيش في الضفة الغربية، قوله انه فقد أربعة من أفراد عائلته بمن فيهم والده وشقيقه ويقول انه لا يزال يتذكر المذبحة كما لو أنها حدثت أمس. وكانت شهادة باعيل التي نشرت العام 1998 والتي تؤكد رواية الناجين قد تحدثت عن مشاهدته مواجهات متفرقة من بيت لبيت حيث ذهب للتأكد منها. وشاهد كيف قام عناصر "الارغون" و"شتيرن" بوضع أبناء القرية في زوايا بيوتهم وأطلقوا النار عليهم. وبعدها شاهد مجموعة من سكان القرية "25" وهم يقادون إلى محجر يقع بين القرية ومستوطنة جعفات شاؤول وقتلوهم هناك.

وقال، إن الضحايا أمروا بالوقوف إلى جانب حائط طبيعي جاء بسبب الحفر ثم أطلقوا النار عليهم. ويعتقد ان مذبحة دير ياسين كانت عاملا من عوامل الحرب النفسية التي استخدمتها العصابات الصهيونية لتخويف العرب وإجبارهم على الرحيل. وأهمية التذكير بدير ياسين هي ان لا احد في إسرائيل لا يعرف إن مستشفى كفار شاؤول اقيمت على أنقاضها.